Blog

مُصَمَّمُ للإكتشاف

11.13.17

بقلم غييلرمو غونزاليس وجاي دبليو ريتشاردز 

اقرأ أي كتاب عن تاريخ الإكتشافات العلمية وستجد أخباراً رائعة عن الذكاء البشري والمثابرة أو الحظّ المتعثّر. ولكن، ربما لن تجد أي مناقشة عن الظروف الضرورية لمثل هذه الأعمال. فيتطلّب الإكتشاف أن يبادر شخص إلى عملية الإكتشاف هذه، وتوافر مجموعة ظروف تُسهّل هذه العملية. وفى غياب هذين الشرطين، لا يتم إكتشاف شيء.

على الرغم من عدم استفاضة العلماء في مناقشة هذا الأمر، قد تُفاجئنا درجة قدرتنا على "قياس" العالم الأوسع- وليس فقط محيطنا القريب- الأرض. وقلائل هم الذين تحدثوا عمّا إذا كانت العلوم موجودة على كوكب آخر على سبيل المثال. وأقلّ هم الذين لاحظوا أن طرح هذا السؤال ومحاولة الإجابة عليه غالباً ما تؤدّي إلى تكشّف براهين غير متوقّعة حول التصميم الذكي.

فكرّ في الخصائص التالية التي يتمتع بها بيتنا، أي الأرض: شفافية جوّ الأرض في المنطقة المرئية من الطيف، تغيّر طبقات الغلاف، وقمر كبير، بالإضافة إلى موقع الأرض الخاص في وسط مجرّة درب اللبانة. وبدون كلّ هذه الميزات، لكان من الصعب علينا أن نعلم كل هذا عن الكون. و لابد أن نتسائل عن كيف يتثنى لنا النظر تجاه الكون، مثلا ً، في حال غطت الغيوم الكثيفة عالمنا الذي نعيش فيه. ففي النهاية، يضمّ نظامنا الشمسي أمثلة عدّة عن عوالم مماثلة. خذ، على سبيل المثال، كوكب الزُّهرة وزُحل وتيتان، قمر زُحل، حيث تعتبر الأجواء رديئة لدراسة الفلك.

يمكن إجراء مقارنات مشابهة على المستوى المجرّي. إذا كنا أقرب إلى مركز مجرّتنا أو أحد أذرعتها الرئيسة اللولبية والأكثر غباراً ، سيعيق الغبار الإضافي قدرتنا على رؤية الكون البعيد على سبيل المثال. في الواقع، ربما كنا لنخسر أروع الإكتشافات في تاريخ علم الفلك: الإشعاعات الخلفية للموجات الصغيرة الكونية. شَكل هذا الإكتشاف نقطة الربط التي بتت القرار بين النظريّتين الكونيّتين في القرن العشرين. وسلّط الضوء على نقاش السؤال الأكثر أهمية الذي يُطرح عن الكون: هل هو أبديّ، أو هل كانت له بداية؟

فرضت نظرية الحالة المستقرّة الرأي القائل بأبدية الكون، فيما أثارت نظرية الانفجار الكبير (أي البيج بانج) أن للكون بداية. لمدة عقود قليلة، لم يتم العثور على دليل مباشر لإختيار إحدى النظريتين. ولكن توقّعت نظرية البيج بانج وجود بقايا إشعاعات من زمن التاريخ الكوني الأول والأكثر حراً وكثافة. ولم تقترب نظرية الحالة المستقرّة من هذه التوقعات. نتيجة لذلك، عندما اكتشف العلماء الإشعاعات الخلفية الكونية عام ١٩٦٥، شَكّل هذا الإكتشاف الضربة القاضية لنظرية الحالة المستقرّة. ولكن، لما كان هذا الإكتشاف ليحصل في أي مكان كان. فموقعنا المميز في مجرّة درب اللبانة سمح لنا بالإختيار بين هاتين الرؤيتين المختلفتين جوهرياً حول الأصل.

في الكوكب المميز: نناقش، كيف أن موقعنا في الكون مهيأ للإكتشاف، كما نناقش أمثلة عديدة للمقارنة لنؤكّد أننا نسكن في كوكب يُسهّل على العلماء المراقبة والإكتشاف وهو مكان يمتاز بقابلية الحياة عليه . ولكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد. فنظنّ أن العلاقة بين الحياة والإكتشاف هي التي تصل بنا إلى الهدف، وليس الصدفة.

ومنذ عقود، بدأ علماء الفيزياء وعلماء الكون يلاحظون أن قيم ثوابت خصائص الفيزياء، والتي تتشابه في أي مكان، يجب أن تكون قريبة من قيمهم الفعلية لسهولة الحياه . نتيجة لذلك، بدأوا يتحدثون عن "ضبط" الكون للحياة. واقترح البعض أن ضبط الحياة يتطلّب ضابطاً. وفي الماضي القريب، بدأ البيولوجيون الفلكيون يتعلّمون أنه، حتى في عالمنا الجيد، يجب أن يسير عدد من الأشياء "المحلية" على ما يرام لتكوين بيئة عالمية قابلة للسكن.

إذا كنت طاهٍ كونيّ، ستتضمّن وصفتك لتحضير كوكب قابل للسكن العديد من المكوّنات. ستتمتع بكوكب صخري كبير لدرجة تتسع للجو الواسع والمحيطات ولضبط الحرارة لمليارات السنوات. ستحتاج إلى نوع الجوّ المناسب. وستحتاج إلى قمر كبير للمحافظة على إستقرار ميل دوران الكوكب على محوره. كما ستحتاج إلى أن يتمتع الكوكب بمدار شبه دائري يتمحور حول سلسلة من النجوم مشابهة للشمس. إلى ذلك، قد تحتاج إلى إعطاء هذا الكوكب نوع الجيران الكوكبيين المناسبين في النظام النجميّ. بالإضافة إلى ذلك، ستحتاج إلى وضع هذا النظام بعيداً عن المركز، والأطراف أو الأذرع الدائرية لمجرّة على غرار درب اللبانة. وستحتاج إلى طبخ هذه المقادير في وقت ضيّق في تاريخ الكون. وإلى ما عليه. هذه قائمة صغيرة، ولكنك تفهم الفكرة.

وبات البرهان واضحاً للعلماء المهتمّين بمسألة الحياة في الكون. فيهتمّ الباحثون المعنيّون بالأبحاث عن الذكاء الخارجيّ، على سبيل المثال، بمعرفة حاجات الحياة. تسمح لهم هذه المعرفة بتحديد فرص إيجاد حضارة تواصل أخرى. ولكن، ولسوء حظ الباحثين عن الذكاء الخارجيّ، لا تبدو الإحتمالات واعدة. فتدعم البراهين الحديثة الفرضية المدعوّة "الأرض النادرة" (فرضية حصلت على تسميتها بعد نشر كتاب دونالد براونلي وبيتر ورد في العام ٢٠٠٠). تدعم هذه النظرية فكرة أن الكواكب التي تحوي الحياة البسيطة قد تكون عامة، ولكن الكواكب التي تضمّ حياة أكثر تعقيداً نادرة جداً.

لا نعرف، حتى اليوم، إذا كنّا نعيش بمفردنا في هذا الكون. فالكون هذا واسع وموارده متشعّبة. ولم تتطوّر الابحاث البيولوجية لدرجة تمكننا من تحديد إحتمالات محددة لجميع العوامل الضرورية لجعل كوكباً ما قابل للسكن. لا نستطيع حتى اليوم أن نُجزم إذ تستوجب الإحتمالات كافة الموارد المتوفّرة. وربما كان الكون واسع لدرجة برز كوكب واحد قابل للسكن على الأقل عن طريق الصدفة. وربما لا. في غضون ذلك، من الصعوب الدفاع عن قضية التصميم الذكي بالإرتكاز فقط على النتيجة القائلة بأن الكواكب القابلة للسكن نادرة جداً.

وعليه، نعتقد بأن براهين التصميم تتوفّر. إذا هناك نمط مثير للشك، كما أكّدنا في الكوكب المميز، بين حاجات الحياة وحاجات العلوم. فالشروط القليلة عينها التي تجعل كوكباً قابلاً للسكن و للحياة المعقّدة، تجعله أفضل مكان لسلسة كبيرة من الإكتشافات العلمية. بعبارات أخرى، إذا قارنّا بيئتنا المحلية ببيئة أخرى، أقلّ مضيافة، نلاحظ وجود تطابق مدهش: يجد المراقبون أنفسهم في أفضل مكان للمراقبة. على سبيل المثال، يعتبر الجوّ الذي تحتاجه الحياة المعقّدة هو جوّ شفاف بالنسبة إلى "الضوء" الأكثر استخداماً علمياً. إلى ذلك، إنّ النظام الجيولوجيّ والكوكبيّ الذي تحتاجه الحياة هو الأفضل للسماح لهذه الحياة بإعادة تكوين الأحداث السابقة. ويُعتبر أكثر مكان قابل للسكن في المجرّة، والوقت الأكثر قابل للسكن في التاريخ الكونيّ أيضاً، أفضل مكان ووقت للعلوم الفلكية والكونية. ولو كان الكون مجرّد تسلسل أعمى لذرّات تتصادم بذرّات أخرى فقط، ما كنا لنتوقّع هذا النمط. بل كنا لنتوقّع ذلك لو كان العالم مصمم للإكتشاف.

غييرمو غونزاليس بروفسور مساعد في علوم الفلك بجامعة ولاية آيوا. حصل على شهادة دكتوراه في علوم الفلك من جامعة واشنطن عام ١٩٩٣، وقام بأبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة تكساس في أوستن وجامعة واشنطن. هو مؤلّف لأكثر من ٦٠ بحث علمي. وفي عام ٢٠٠٤، شارك في تأليف الكوكب المميز:كيف أن موقعنا في الكون مهيأ للإكتشاف، بالاشتراك مع جاي دبليو ريتشاردز (واشنطن: رينيري بابليشرز). ويعتبر كتابه الأخير، مراقبة النجوم،، الذي ألفه بالتعاون مع د. سكوت بيرني وديفيد أوسبر، الطبعة الثانية لكتيّبات منهج قبل التَخَرج، (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج).

جاي دبليو ريتشاردز باحث ومدير العلاقات التَّنْظِيمِيَّةُ في معهد أكتون في غراند رابيدز في ميشيغان. حاز على شهادة الدكتوراه فى الفلسفة واللاهوت من معهد اللاهوت في برينستون حيث كان يُدرّس في السابق. ألّف العديد من المقالات العلمية والعامة بالإضافة إلى عدّة كتب. وآخر كتبه هي: الله غير المُسَيطر عليه: إكتشاف فلسفي في الكمال والثبات والبساطة الإلهية (مطبعة إنترفارسيتي، ٢٠٠٣) و الكوكب المميز:كيف أن موقعنا في الكون مهيأ للإكتشاف، بالإشتراك مع غييرمو غونزاليس (واشنطن: رينيري بابليشرز، ٢٠٠٤).